محمد أبو زهرة

264

المعجزة الكبرى القرآن

الناس ، ولأنه مأخوذ بحجج المخالف كان مع عمومه وشيوعه أقل من الاستدلال الخطابي الذي يقوم على إثبات الحقائق من غير تقيد بحجة خصم . والحجة الخاصة بأقل الناس عند ابن رشد ما يلزم فيه المتكلم بالأقيسة البرهانية ؛ ذلك لأن هذه الأقيسة مجردة خالية من كل تحسين ، وليست متجهة إلى الإقناع وطرائقه من مشاركة وجدانية ، ومن إثارة المشاعر ، ومن اتجاه إلى ما يأمنون من أمور ، وأن التجرد كله لا يكون إلا للخاصة الذين يتجهون إلى الحقائق خلوا من أي تأثير . ويقول ابن رشد بعد أن أشار إلى الأدلة الخطابية والجدلية والبرهان : ولأن أكثر الشرع مقصوده الأول العناية بالأكثر من غير إغفال لتنبيه الخاصة كانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة الإسلامية على أربعة أصناف : أن تكون - مع أنها مشتركة - خاصة بالأمرين جميعا ، أعنى أن تكون في التصور والتصديق يقينية مع أنها خطابية أو جدلية ، وهذه المقاييس هي المقاييس التي عرض لمقدماتها مع كونها مشهورة ومظنونة ، أن تكون يقينية وعرض لنتائجها إن قصدت أنفسها دون مثالاتها ، وهذا الصنف من الأقوال الشرعية ليس له تأويل ، والجاحد لها أو المتأول لها كافر ، والصنف الثاني أن تكون المقدمات مع كونها مشهورة أو مظنونة يقينية ، وتكون النتائج مثالات للأمور التي قصد إنتاجها ، وهذا يتطرق إليه التأويل ، والثالث عكس هذا وهو أن تكون النتائج هي الأمور التي قصد إنتاجها نفسها ، وتكون المقدمات مشهورة أو مظنونة من غير أن تعرض لها أن تكون يقينية ، وهذه أيضا لا يتطرق إليها تأويل ، أعنى نتائجها ، وقد يتطرق لمقدماته . والرابع أن تكون مقدماته مشهورة أو مظنونة من غير أن تعرض لها أن تكون يقينية حملها وتكون نتائجه مثالات لما قصد إنتاجه وهذه فرض الخواص فيها التأويل ، وفرض الجمهور على ظاهرها ، وبالجملة فكل ما يتطرق إليه من هذا التأويل لا يدرك إلا بالبرهان ففرض فيه ، وهو ذلك التأويل ، وفرض الجمهور هو جماعها على ظاهرها في الوجهين جميعا ، أعنى في التصوير والتصديق ، إذا كان ليس في طباعهم أكثر من ذلك ، وقد يعرض للنظار في الشريعة تأويلات من قبل الطرق المشتركة بعضها على بعض في التصديق . وأن كلام ابن رشد هو في مقام الأدلة القرآنية من حيث التصور المنطقي والتصديق وما يترتب على قوة الاستدلال من حيث قبول الحكم الشرعي أو الاعتقادي للتأويل ، ومن حيث قبول الاعتقاد للنظر أو عدم قبوله . وخلاصة ما قاله بإيضاح أن المقدمات إذا قامت على المشهور أو المظنون ، ولكن بتضافر أنواع الاستدلال ، وتكاثر الطرق ، صارت يقينية من حيث النتيجة ، والنتيجة تثبت حقيقة ثابتة ليس لها مثيل ، فإن النتيجة لا يصح إنكارها ، ومنكرها كافر ،